فخر الدين الرازي
172
تفسير الرازي
الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين أحدهما : كثرة يفعل على يفعل وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، مثل خاف يخاف ، وفي مستقبلها الضم لأنه يوجد لسببين أحدهما : كون الفعل على فعل يفعل ، مثل طال يطول ، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر ، وثانيهما : كونه على فعل يفعل ، تقول : فعلت في الماضي بالكسر وفي المستقبل بالضم . المسألة السادسة : كيف أتى باللام المؤكدة في قوله : * ( لمبعوثون ) * مع أن المراد هو النفي وفي النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال : إن زيداً ليجيء وإن زيداً لا يجيء ، فلا تذكر اللام ، وما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : عند إرادة التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي وصيغته ثانيهما : أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار ونحن نستكثر مبالغته وتأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار ، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولاً : * ( أئذا متنا ) * ولم يقتصروا عليه بل قالوا بعده : * ( وكنا تراباً وعظاماً ) * أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً والعظام رفاتاً ، ثم زادوا وقالوا : مع هذا يقال لنا : * ( إنكم لمبعوثون ) * بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه أحدها : استعمال كلمة إن ثانيها : إثبات اللام في خبرها ثالثها : ترك صيغة الاستقبال ، والإتيان بالمفعول كأنه كائن ، فقالوا لنا : * ( إنكم لمبعوثون ) * ثم زادوا وقالوا : * ( أو آباؤنا الأولون ) * يعني هذا أبعد فإنا إذا كنا تراباً بعد موتنا والآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث ؟ وقد بينا في سورة والصافات هذا كله وقلنا : إن قوله : * ( أو آباؤنا الأولون ) * ( الصافات : 17 ) معناه : أو يقولوا : آباؤنا الأولون ، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم ، ثم إن الله تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال : * ( قُلْ إِنَّ الاَْوَّلِينَ وَالاَْخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ) * . فقوله : * ( قل ) * إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ، وذلك أن في الرسالة أسراراً لا تقال إلا للأبرار ، ومن جملتها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لاتَّكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه أولها : قوله : * ( قل ) * يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص ، فقال : قل قولاً عاماً وهكذا في كل موضع ، قال : قل كان الأمر ظاهراً ، قال الله تعالى : * ( قل هو الله أحد ) * ( الصمد : 1 ) وقال : * ( قل إنما أنا بشر مثلكم ) * ( الكهف : 110 ) وقال : * ( قل الروح من أمر ربي ) * ( الإسراء : 85 ) أي هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفي ثانيها : قوله تعالى : * ( إن الأولين والآخرين ) * بتقديم الأولين على الآخرين في جواب قولهم : * ( أو آباؤنا الأولون ) * ( الواقعة : 48 ) فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر ، فقال إن الأولين الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم الله في أمر مقدم على الآخرين ، يتبين منه إثبات